قصيدة البردة
مقدمة
البُردة هي
قصيدة في مدح الرسول ﷺ. ألفها البوصيري في القرن السابع الهجري، وهي من أكثر
القصائد تلاوةً وحفظًا في العالم. العنوان الأصلي للقصيدة هو الكواكب الدرية في
مدح خير البرية.
البردة الأولى
القصيدة التي
عُرفت بهذا الاسم - البردة في الأصل كتبها الشاعر كعب بن زهير أحد صحابة الرسول
عليه الصلاة والسلام. قبل إسلامه، كان كعب بن زهير يستخدم شعره في ذم وقذف
المسلمين. وبعد إسلامه، تلا على النبي وصحابته قصيدة من تأليفه للتعبير عن ندمه
على أفعاله الماضية. فلما فرغ من قراءتها، ألقى النبي بردائه على كعب. لذلك عُرفت
قصيدته باسم البردة.
قصة قصيدة البردة
أصيب البوصيري
بمرض عضال، وقرر كتابة قصيدة البردة كطريقة للاستغفار وطلب شفاعة الرسول ﷺ. وبعد
أن انتهى من تأليف القصيدة رأى البوصيري حلماً يغطي فيه الرسولُ ﷺ البوصيريَّ
ببردته وعندما استيقظ، وجد البوصيري نفسه قد شُفي من مرضه.
بردة البوصيري
تتكون بردة البوصيري
من عشرة فصول في 160 بيتا.
1.
فِي الْغَزَلِ وَشَكْوَىٰ
الْغَرَامِ
2.
فِي الحْذِيرِ مِنْ هَوَى
النَّفْسِ
3.
فِي مَدْحِ النَّبِيِّ ﷺ
4.
فِي مَوْلِدِهِ عَلَيْهِ
الصَّلَاةُ والسَّلَام
5.
فِي مُعْجِزَاتِهِ ﷺ
6.
فِي شَرَفِ الْقُرآنِ
وَمَدْحِهِ
7.
فِي إِسْرَائِهِ
وَمِعْرَاجِهِ ﷺ
8.
فِي جِهَادِ النَّبِيِّ ﷺ
9.
فِي تَوَسُّلِ بِرَسُولِ
اللهِ ﷺ
10.
فِي الْمُنَاجَاةِ
وَعَرْضِ الْحَاجَاتِ
المؤلف
هو محمد بن
سعيد بن حماد الصنهاجي البوصيري (608 هـ - 696 هـ / 7 مارس 1213 - 1295) شاعر
صنهاجي اشتهر بمدائحه النبوية. أشهر أعماله البردية . هاجر إلى القاهرة في سن
صغيرة، وحفظ القرآن وتعلم علوم الشريعة واللغة العربية. كان يكسب رزقه في البداية
من خلال نقش الخط العربي على أحجار القبور، وسرعان ما أصبح مطلوبًا بسبب مهارته في
الخط العربي. تولى البوصيري عدة مناصب
عامة داخل القاهرة ومحيطها. ركز البوصيري جهوده على قراءة السيرة النبوية والتعرف
على النبي ﷺ. كما بذل جهوداً كبيرة وكرس كل شعره ومهاراته لمدح الرسول ﷺ. توفي
البوصيري بالإسكندرية عام 696 هـ في سن السابعة والثمانين، ودفن هناك في زاوية
صغيرة تحولت فيما بعد إلى مسجد سمي على اسمه. كتب أخرى إلى جانب البردة: ألف
البوصيري قزيدة المحمدية وقصيدة الحمزية.
الأبيات
المختارة
1.
أَمِنْ تَذَكُّرِ جِيرَانٍ
بِذِي سَلَمِ مَزَجْتَ
دَمْعًا جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ
2.
أَمْ هَبَّتِ الرِّيحُ
مِنْ تِلْقَاءِ كَاظِمَةٍ وَأَوْمَضَ
البَرْقُ فِي الظَّلْمَاءِ مِنْ إِضَمِ
3.
فَمَا لِعَيْنَيْكَ إِنْ
قُلْتَ اكْفُفَا هَمَتَا وَمَا
لِقَلْبِكَ إِنْ قُلْتَ اسْتَفِقْ يَهِمِ
4.
أَيَحْسَبُ الصَّبُّ أَنَّ
الحُبَّ مُنْكَتِمٌ مَا بَيْنَ
مُنْسَجِمٍ مِنْهُ وَمُضْطَرِمِ
5.
ظَلَمْتُ سُنَّةَ مَنْ
أَحْيَا الظَّلاَمَ إِلَى أَنِ
اشْتَكَتْ قَدَمَاهُ الضُّرَّ مِنْ وَرَمِ[1]
6.
وَشَدَّ مِنْ سَغَبٍ
أَحْشَاءَهُ وَطَوَى تَحْتَ
الحِجَارَةِ كَشْحًا مُتْرَفَ الأَدَمِ[2]
7.
مُحَمَّدٌ سَيِّدُ
الكَوْنَيْنِ وَالثَّقَلَيْـ ـنِ وَالفَرِيقَيْنِ مِنْ عُرْبٍ
وَمِنْ عَجَمِ
8.
نَبِيُّنَا
الآمِرُ النَّاهِي فَلاَ أَحَدٌ أَبَرَّ
فِي قَوْلِ لاَ مِنْهُ وَلاَ نَعَمِ
9.
هُوَ الحَبِيبُ الذِّي
تُرْجَى شَفَاعَتُهُ لِكُلِّ
هَوْلٍ مِنَ الأَهْوَالِ مُقْتَحَمِ[3]
10.
دَعَا إِلَى اللهِ
فَالْمُسْتَمْسِكُونَ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ بِحَبْلٍ غَيْرِ
مُنْفَصِمِ[4]
11.
فَاقَ النَبِيّينَ فِي
خَلْقٍ وَفِي خُلُقٍ وَلَمْ يُدَانُوهُ فِي عِلْمٍ وَلاَ
كَرَمِ
12.
وَكُلُّهُمْ مِنْ رَسُولِ
اللهِ مُلْتَمِسٌ غَرْفًا مِنَ البَحْرِ أَوْ رَشْفًا
مِنَ الدِّيَمِ[5]
13.
هُمُ الجِبَالُ فَسَلْ
عَنْهُمْ مُصَادِمَهُمْ مَاذَا رَأَى
مِنْهُمُ فِي كُلِّ مُصْطَدَمِ[6]
14.
وَسَلْ حُنَيْنًا وَسَلْ
بَدْرًا وَسَلْ أُحُدًا فُصُولَ
حَتْفٍ لَهُمْ أَدْهَى مِنَ الوَخَمِ[7]
15.
يَا أَكْرَمَ الخَلْقِ
مَالَي مَنْ أَلُوذُ بِهِ سِوَاكَ عِنْدَ حُلُولِ الحَادِثِ
العَمِمِ[8]
16.
يِا رَبِّ بِالمُصْطَفَى
بَلِّغْ مَقَاصِدَنَا وَاغْفِرْ لَنَا مَا مَضَى يَا
وَاسِعَ الكَرَمِ
[1] يقولُ الشاعرُ في هذهِ الأبياتِ: ظلمتُ نفسِي
بتركِ اتِّباعِ سنةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في قيامِ الليلِ، فلم أقمْ
كما كانَ يقومُ، حتى اشتكت قدماهُ من الورمِ من طولِ القيامِ. ويشيرُ الشاعرُ هنا إلى فضلِ قيامِ الليلِ،
وأنهُ من السننِ المؤكدةِ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأنَّ تركَهُ ظلمٌ
للنفسِ وفواتٌ لخيرٍ عظيمٍ. وإليكَ بعضُ
الفوائدِ من هذهِ الأبياتِ: فضلُ قيامِ
الليلِ. أهميةُ اتِّباعِ سنةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. خطورةُ تركِ السننِ
المؤكدةِ. عظمةُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وحرصُهُ على عبادةِ اللهِ تعالى.
[2] معاني الألفاظ: وَشَدَّ: شدّ الشيء، ربطه. مِنْ: حرف جر يفيد
الابتداء. سَغَبٍ: الجوع. أَحْشَاءَهُ: جمع حشاء، وهو ما في بطن الإنسان من أمعاء
وكبد وكلى. وَطَوَى: طوى الشيء، ثناه. تَحْتَ: حرف جر يفيد التحتية. الْحِجَارَةِ:
جمع حجر. كَشْحًا: الخصر. مُتْرَفَ: ناعم، رقيق. الأَدَمِ: الجلد. يصفُ الشاعرُ في
هذهِ الأبياتِ شدّةَ جوعِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وكيفَ أنّهُ كانَ يشدّ
بطنهُ من شدّةِ الجوعِ، وكانَ يضعُ الحجارةَ على بطنهِ لتخفيفِ ألمِ الجوعِ. ويشيرُ الشاعرُ هنا إلى صبرِ رسولِ اللهِ صلى
الله عليه وسلم على الفقرِ والجوعِ، وأنّهُ كانَ يرضى بالقليلِ من الدنياِ، وأنّهُ
كانَ قدوةً في الزهدِ والتقوى. وإليكَ
بعضُ الفوائدِ من هذهِ الأبياتِ: صبرُ
رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم على الفقرِ والجوعِ. زهدُ رسولِ اللهِ صلى الله
عليه وسلم في الدنياِ. حرصُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم على عبادةِ اللهِ
تعالى.
[3] هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحبيب الذي
يُرجى منه الشفاعة يوم القيامة. لِكُلِّ هَوْلٍ مِنَ الأَهْوَالِ: لكل هول من
الأهوال التي يواجهها الناس يوم القيامة. مُقْتَحَمِ: مُواجه أو مُتحدٍّ.
[4] يُشير البيت إلى دعوة رسول الله صلى الله عليه
وسلم الناس إلى عبادة الله تعالى، وأن من اتبعه وتمسك به فقد تمسك بحبل الله
المتين الذي لا ينقطع. غير منفصم هي صفة مشتقة من الفعل "انفصم" بمعنى
انقطع أو انفصل.
[5] رشفا : الشرب القليلل، الديم: المطر الذي يدوم
ولا ينقطع. يُشير البيت إلى أنّ جميع الأنبياء يطلبون من رسول الله صلى الله عليه
وسلم العلم والمعرفة، فهو بمثابة بحر من العلم لا ينضب، وبمثابة رشفة من المطر
الدائم الذي لا ينقطع، أي أنه مصدر دائم للعلم والمعرفة.
[6] هُمُ الجِبَالُ: هم بمثابة الجبال في قوتهم
وثباتهم. فَسَلْ عَنْهُمْ مُصَادِمَهُمْ: فسأل من قاتلهم وواجههم. مَاذَا رَأَى
مِنْهُمُ فِي كُلِّ مُصْطَدَمِ: ماذا رأى منهم في كل معركة. شرح المعنى:
يُشير البيت إلى قوة المؤمنين وثباتهم في وجه أعدائهم، وأنهم بمثابة الجبال
التي لا تُهزم. ويدعو الشاعر إلى سؤال من قاتل المؤمنين وواجههم عن صلابتهم وقوتهم
في المعارك.
[7] فصول
حتف : فصول نهايات وموت، أدهى : أشدّ ، وخم : خطر، يُشير البيت إلى أن هزيمة أعداء الإسلام في
معارك حنين وبدر وأحد كانت قاتلة ومؤلمة، وأنّ نهايتهم كانت أشدّ من الخطر.
[8] ألوذ
به : ألتجئ إليه، الحادث العمم : حادث عام أي حادث شامل يصيب الجميع من الكوارث
الطبيعية والأوبئة والحروب. يُعبّر
البيت عن التضرع إلى الله تعالى بالدعاء له بالخير واللجوء إليه عند حلول أي حادث
أو مصيبة.